ابن الجوزي
397
كتاب ذم الهوى
أتأذن لي في الخروج معك إلى هذا المجتمع ؟ فأذن له . فلما عزم على الخروج جاءه قوم من رهط قيس ، فقالوا له : إنما سألك الخروج معك ليرى ليلى ويكلّمها ، وقد استعدى عليه بعض أهلها وأهدر لهم السلطان دمه إن أتاهم . فلما قالوا له ذلك منعه من الخروج معه وأمر له بقلائص من إبل الصدقة ، فردّها وأبى أن يقبلها ، وأنشأ يقول : رددت قلائص القرشيّ لما * بدا لي النقض منه للعهود سعوا للجمع ذاك وخلّفوني * إلى حزن أعالجه شديد فلما علم قيس بن معاذ أنه قد منع ، وأن لا سبيل إليها ، ذهب عقله ، وصار لا يلبس ثوبا إلا خرقه ، وهام على وجهه عريانا ، لا يعقل شيئا مما يكلّم به ، ولا يصلي ، فلما رأى أبوه ما صنع بنفسه خاف عليه التلف ، فحبسه وقيده ، فجعل يأكل لحمه ، ويضرب بنفسه الأرض . فلما رأى أبوه ذلك حلّ قيده وخلّاه ، فكان يدور في فيافيهم عريانا ، ويلعب بالتراب ، وكانت له داية لم يكن يأنس بأحد غيرها ، وكانت تأتيه في كلّ يوم برغيف وماء ، فتضعه بين يديه فربما أكله وربما تركه ولم يأكله . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أخبرنا جعفر بن أحمد السراج ، قال : أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، قال : أنبأنا محمد بن العباس بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : حدثنا زكريا بن موسى ، قال : حدثني شعيب بن السّكن ، عن يونس النّحوي ، قال : لما اختلط قيس بن الملوّح وزال عقله ، وامتنع من الأكل والشرب ، صارت أمه إلى ليلى ، فقالت لها : إنّ ابني جنّ من أجلك ، وذهب حبّك بعقله ، وقد امتنع من الطعام والشراب ، فإن رأيت أن تصيري معي إليه ، فلعله إذا رآك أن يسكن بعض ما يجد ، فقالت لها : أمّا نهارا فلا يمكنني ذلك ، فإن علم أهل الماء ذلك لم آمنهم على نفسي ، ولكني سأصير إليه في الليل .